محمد هادي معرفة
54
التفسير الأثري الجامع
الإفضاء . وقال - في قوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ - : يحتمل أن يكون نهيا عن تعاطي الجماع ، وأن يكون نهيا عن الحديث في ذلك ، إذ هو من دواعيه « 1 » . وقد وقع أنّ بعضهم لم يجد طعاما حاضرا عند أهله بعد الإفطار ، فانتظر ليحضروا له فغلبه النوم ، ثمّ صحا فلم يحلّ له الطعام والشراب ، فواصل . ثمّ جهد في النهار التالي ، وبلغ أمره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » . كما وقع أنّ بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته ، ثمّ وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل وبلغ أمره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » ، وبدت المشقّة في أخذ المسلمين بهذا التكليف ، فردّهم اللّه إلى اليسر وتجربتهم حاضرة في نفوسهم ، ليحسّوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة والاستجابة . ونزلت هذه الآية لتحلّ لهم المباشرة ما بين المغرب والفجر : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ . والرفث - كما قلنا - مقدّمات المباشرة أو المباشرة ذاتها ، وكلاهما مقصود هنا ومباح . ولكن انظر إلى لطف التعبير القرآني هنا ، القرآن لا يمرّ على هذا المعنى دون لمسة حانية رفّافة ، تمنح العلاقة الزوجيّة شفّافيّة ورفقا ونداوة ، وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته ، وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ، واللباس ساتر وواق ، وكذلك هذه الصلة بين الزوجين ، تستر كلّا منهما وتقيه عن العرامة والفحشاء ، والإسلام الّذي يأخذ هذا الكائن الإنساني بواقعه كلّه ، ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي ، ويأخذ بيده إلى معارج الكمال بكلّيّته ، الإسلام وهذه نظرته يلبّي دفعة الجسد الفطريّة ، وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة الرقيقة الروحاء ، ويدثّرها بهذا الدثار اللطيف الظريف البهيج ، كلّ هذا وذاك في آن . ويكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم ، وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم . عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ
--> ( 1 ) المفردات : 199 ، والآية من سورة البقرة 2 : 197 . ( 2 ) انظر : الطبري 2 : 224 / 2411 فما بعده . ( 3 ) انظر : الطبري 2 : 225 / 2413 و 2414 .